عبد الكريم الخطيب

530

التفسير القرآنى للقرآن

ومع ما يبدو من بعد المفارقة في الظاهر بين أخذ قوم نوح ، وبين بناء السماء - فإن هذه المفارقة تبدو موافقة ، إذا نظرنا إلى قدرة اللّه سبحانه وتعالى ، وقيومته جلّ شأنه ، على كل شئ . . فهو سبحانه ، يحيى ويميت ، ويغنى ، ويقنى ، ويرفع ويضع ، وهو سبحانه الذي أخذ الظالمين بالهلاك ، وهو جلّ شأنه الذي أقام السماء بقدرته . . وفي قوله تعالى : « وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ » - إشارة إلى امتداد السماء واتساعها ، كما يبدو ذلك لأي ناظر ينظر إليها ، حيث لا يبلغ الإنسان لها حدّا ، فحيث كان من عالم الأرض ، فإن السماء تظلّه على امتداد الآفاق ، حوله . . فإذا نظر بعين العلم ، أراه العلم أن هذا الوجود في نماء مستمرّ ، وأنه أشبه بالكائن الحىّ في دور نموّه واكتماله . . وفي حين أن الكائن الحىّ يبلغ حدّا يقف عنده ، إلا أن الوجود في نمو دائم لا يتوقف ، ولعل هذا من بعض ما يشير إليه قوله تعالى : « يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ » ( 1 : فاطر ) . . قوله تعالى : « وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ » . . معطوف على قوله تعالى : « وَالسَّماءَ بَنَيْناها » . . وقوله تعالى : « فَنِعْمَ الْماهِدُونَ » - هو ثناء من اللّه سبحانه وتعالى من ذاته على ذاته ، كما في قوله تعالى : « فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » ( 14 : المؤمنون ) وقوله سبحانه : « تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » ( 1 : الملك ) وقوله جل شأنه : « تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً » ( 1 : الفرقان ) . .